النووي
64
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
فَرْعٌ هِجْرَانُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ ، فَهَلْ يَزُولُ الْإِثْمُ ؟ نُظِرَ إِنْ كَانَتْ مُوَاصَلَتُهُمَا قَبْلَ الْهُجْرَانِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَوِ الْمُرَاسَلَةِ ، ارْتَفَعَ الْإِثْمُ ، وَإِلَّا فَإِنْ تَعَذَّرَ الْكَلَامُ لِغَيْبَةِ أَحَدِهِمَا ، فَكَذَلِكَ ، وَإِلَّا ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ أَنْ يُهَاجِرَهُ ، فَهَلْ يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ ؟ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ . وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ إِنَّمَا تَرْفَعَ الْإِثْمَ إِذَا خَلَتْ عَنِ الْإِيذَاءِ وَالْإِيحَاشِ ، وَإِلَّا ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَلَّمَهُ بِالشَّتْمِ وَالْإِيذَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا تَزُولُ بِهِ الْمُهَاجَرَةُ ، بَلْ هُوَ زِيَادَةُ وَحْشَةٍ ، وَتَأْكِيدٌ لِلْمُهَاجَرَةِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُكَاتَبَةِ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْمُهَاجَرَةِ . قُلْتُ : تَحْرِيمُ الْمُهَاجَرَةِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمُهَاجَرَةُ لِحُظُوظِ النُّفُوسِ وَتَعَنُّتَاتِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْجُورُ مُبْتَدِعًا أَوْ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ وَالْفُسُوقِ ، فَلَا تَحْرُمُ مُهَاجَرَتُهُ أَبَدًا ، وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي الْمُهَاجَرَةِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ ، فَلَا تَحْرِيمَ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَرَى لِلسَّلَفِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَزُولُ التَّحْرِيمُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ ، قَالَ صَاحِبُ « الْبَيَانِ » : وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ وَالرَّمْزُ كَالْمُكَاتَبَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْحِنْثِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَرْعٌ حَلَفَ : لَا يُكَلِّمُهُ ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ، حَنِثَ ، لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ ، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ ، فَإِنْ قَصَدَهُ بِالسَّلَامِ حَنِثَ . قَالَ فِي « الْبَيَانِ » وَيَجِيءُ أَنْ لَا يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ السَّمْنَ ، فَأَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ ، لَا يَحْنَثُ وَإِنْ اسْتَثْنَى لَفْظًا ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ اسْتَثْنَاهُ بِالنِّيَّةِ ،